الرئيسية

حين يتوقف الزحام احترامًا لرجل”

“حين يتوقف الزحام احترامًا لرجل”في مدننا المزدحمة، حيث يقف الزمن عند إشارة مرور، وحيث يعلو صوت الأبواق على أي حديث، يبقى هناك أناس قادرون على كسر قاعدة الفوضى، وصناعة مساحة صغيرة من النظام وسط ضجيج الحياة.
في تلك اللحظات التي تتشابك فيها السيارات كخيوط مشدودة، ويغلي الصبر كما يغلي الزيت في محركٍ منهك، يتمنى كل سائق أن تظهر معجزة تفك هذا الاختناق… لكن قليلون فقط هم من يعرفون كيف يكونون هذه المعجزة.

الطوابير ليست مجرد سيارات مصطفة، بل مشاعر متوترة، أعصاب مشدودة، ووجوه تراقب عقارب الساعة وكأنها تنتقم من الوقت. وفي خضم هذا المشهد، قد تلمح شخصًا يمشي بخطى هادئة، كأنه يملك مفتاح المشهد كله، يوزع النظرات قبل التعليمات، ويعيد ترتيب الوجوه قبل ترتيب المركبات.

إنه ليس ضابط مرور، ولا صاحب سلطة ميدانية من الدولة، بل مدير محطة وقود… ومع ذلك، تجد له سلطة معنوية تجعل حتى أكثر السائقين غضبًا يهدأون، وأكثر المواقف فوضويةً تعود إلى نظامها.
هناك فرق بين من يدير مكتبًا من وراء زجاج، ومن يدير موقفًا وهو وسط الناس، يلمس حرارتهم ويسمع أنفاسهم.

في عالمٍ يختبئ فيه كثيرون خلف ألقابهم، يظهر هو ليثبت أن القيادة الحقيقية تُمارَس من قلب الميدان، لا من دفء المكاتب. يراه الجميع واقفًا تحت شمس أغسطس أو برد يناير، لا يكتفي بالمراقبة، بل يصنع بنفسه الفارق.

هو ذلك النوع من الأشخاص الذين تحسّ وأنت تراهم أنهم صُمّموا ليقودوا، ليس لأنهم يرفعون أصواتهم، بل لأنهم يرفعون من معنويات من حولهم.
وبينما يظن الكثيرون أن محطات الوقود مجرد نقاط لتزويد السيارات، يدرك هو أن المحطة أيضًا مكان لتزويد الناس بالاحترام، والطمأنينة، والإحساس بأن هناك من يهتم.

هنا تبدأ الحكاية مع محمود زينهم… مدير محطة موبيل مدينتي، الرجل الذي جعل من مهنته رسالة، ومن يومه لوحة يكتبها بالتفاني.

في زمنٍ تُقاس فيه قيمة اللحظة بسرعة مرورها، وحيث تنطفئ الوجوه على مقود الانتظار، يبقى هناك من يشعل في زحام الحياة ضوءًا من نظام، واسمه: محمود زينهم.

هو ليس مجرد مدير عام لمحطة بنزينة موبيل مدينتي، بل قلب ينبض بين صفوف السيارات، رجل لا تراه في الظل ولا وراء الزجاج، بل تلمحه واقفًا تحت الشمس، يحاكي الزحام بلغة الهدوء، ويعيد ترتيب المشهد بأدوات من إنسانية لا تُشترى.

في عزّ الطوابير، حين تغلي المحركات من طول الانتظار، وحين تكاد الأعصاب تتقطع من شدة التكدّس، يظهر محمود بخطواته الواثقة، لا ليصدر أوامر، بل ليتقدم الصفوف، يُنادي بعينيه قبل صوته، يلمّ شمل فريقه، ويحوّل الفوضى إلى لوحة متناسقة من الجهد والنظام.

كل تفصيلة في حركته تنطق بالإتقان: يوزّع العمال كأنما يوزع الموسيقى في أوركسترا محترفة، يشير بيدٍ، ويطمئن بكلمة، يبتسم لسائق غاضب، ويُربّت على كتف عامل أنهكه العمل.

لا يتعالى، ولا يختبئ خلف لقب “مدير”، بل يهبط من عرشه الوظيفي ليكون شريكًا حقيقيًا في الميدان، يتقدّم الصفوف بنفسه، ويشارك في كل زقزقة وقود، وفي كل همسة تعب. وحين يُطفئ وجهه بشاشته غضب المواقف، يدرك الجميع أن القيادة ليست سلطة.. بل حب.
إنه رجل لا يحكم بزجر، بل يحكم بقلبه. يجعل من محطة الوقود مكانًا يحتضن الناس، لا يرهقهم. يدخلها الزائر متوترًا، ويغادرها مطمئنًا، ليس لأن سيارته امتلأت فقط، بل لأن هناك من جعله يشعر أنه مُقدّر.

محمود زينهم ليس مجرد اسم في بطاقة، بل سيرة تُروى. نموذج من زمن نفتقده، وصوت من ضمير لا يعرف التراخي. في زمنٍ ازدحمت فيه المناصب وقلّت القلوب، يبقى هذا الرجل دليلاً أن الإدارة حين تقترن بالإنسان.. تصير فنًا وفضلًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى