قلب إنسان في زي ضابط.. عبد الرحمن محسن.. الإنسان أو
قلب إنسان في زي ضابط.. عبد الرحمن محسن.. الإنسان أ
لًا
في زحام الحياة وقسوة الواقع، تبهت ألوان الإنسانية شيئًا فشيئًا، وتخفت مشاعر الرحمة والعدل خلف جدران المكاتب وأكوام الأوراق والبلاغات، وتضيع الملامح الطيبة وسط الصراخ والعنف والاتهامات… لكن هناك من يصرّ على أن يظل إنسانًا، حتى وإن كان موقعه الوظيفي يفرض عليه الصرامة. هناك من يرتدي الزي الرسمي لا ليُرعب، بل ليحمي، لا ليُعذّب، بل ليحتوي، لا ليُدين، بل ليفهم… وهناك رجال لا تُقاس إنجازاتهم بعدد الضبطيات، بل بعدد القلوب التي لم تُكسر تحت أيديهم، والنفوس التي لم تُهدر كرامتها داخل حجزٍ باردٍ، أو في لحظة ضعف وإنهيار.
في قسم منشية ناصر، حيث البلاغات لا تنتهي، والمشاحنات لا تهدأ، والعيون تترقب مصيرًا قد لا يُكتب بأيدي أصحابها، يسطع اسم النقيب عبد الرحمن محسن كاستثناء نادر في عالم اعتاد فيه الكثيرون أن يعاملوا المتهم كمجرم قبل حتى أن تثبت إدانته. هو ليس فقط معاون ضبط، بل هو رجل يحمل قلبًا لا يزال ينبض بالرحمة وسط ضجيج الاتهامات. لا يرى المتهم على أنه خصم، بل على أنه إنسان له ظروف، وله حق أن يُعامل بكرامة، وأن يُسمع صوته، وأن يُحترم حتى وإن كان مقيد اليدين.
النقيب عبد الرحمن ليس مجرد ضابط يؤدي مهامه اليومية داخل القسم، بل هو صاحب فلسفة خاصة في التعامل مع المتهمين والمحبوسين احتياطيًا. يدرك تمامًا أن دوره لا يقتصر على تنفيذ القانون، بل على صيانته، وعلى ضمان ألا يُستغل في إذلال أحد، أو سحق كرامته. في قلب الحجز، حيث تنهار أعصاب الكثيرين، يقف عبد الرحمن محسن كالطبيب النفسي، يسمع، يطمئن، يُهدئ، ويُراعي. لا يمر على الحجز إلا وألقى السلام، وتفقد أحوال الموجودين، وسأل عن المرضى، واطمأن على من لم يأكل، وسارع لإحضار الماء لمن احتاج، أو الاتصال بأسر أحدهم ليسأل عن دواء أو بطانية.
قد يظن البعض أن هذا الموقع الوظيفي مجرد مهمة يومية ثقيلة… لكنه بالنسبة لعبد الرحمن محسن رسالة تتطلب إنسانية فائقة. فأن تكون مسئولًا عن من تم حجزهم، بعضهم أبرياء لم يُثبت عليهم شيء، وبعضهم مرضى، وآخرون لا ذنب لهم سوى أنهم ضلّوا الطريق، فإن ذلك يستدعي أن تكون قلبًا قبل أن تكون يدًا تُقيد. يحرص النقيب عبد الرحمن على معاملة كل متهم داخل الحجز كما لو كان أحد إخوته أو أولاده. لا يُفرّق بين غني وفقير، لا ينظر إلى شكل أو حالة اجتماعية، بل يتعامل بروح القانون، وبإنسانية تنبع من داخله.
لا يُضبط متهم إلا ويُعرض على عبد الرحمن أولًا ليتأكد من سلامته النفسية والصحية، قبل أن تُحرر له أي محاضر أو تُتخذ ضده إجراءات. بل ويُشرف بنفسه على حالات خاصة، كالمسنين أو أصحاب الأمراض، ويتواصل مع المستشفيات في حال الحاجة، دون أن يُنتظر أي أوامر من أعلى. حتى المتهمين أنفسهم، حين يخرجون من الحجز، لا يذكرون اسمه إلا بكل خير. فكم من أحدهم بكى في الحجز، فوجد في عبد الرحمن كتفًا يُسند، وكلمة طيبة تُربّت على القلب، وتعامل كريم يجعل المحنة أخف، واللحظة القاسية أهون.
واللافت أن هذا الضابط الشاب لا يُجيد فقط التعامل مع المحجوزين، بل مع ذويهم أيضًا، يُراعي مشاعر الأمهات، ويُهدّئ من روع الأبناء، ويتعامل مع الجميع بصبر نادر، وإحساس مرهف. لم يكن دوره يومًا مجرد “ضابط”، بل يُشبه كثيرًا “الأب”، “الراعي”، و”الصديق” الذي يسهر حتى ساعات متأخرة ليس فقط لضبط جناة، بل لضبط ميزان الرحمة داخل مكانٍ لا يعرفه الكثيرون إلا من الخارج.
في زمنٍ يزداد فيه التبلد، ويقلّ فيه الإحساس، يبقى وجود ضباط كـ عبد الرحمن محسن ضرورة إنسانية قبل أن تكون أمنية. لأن الأوطان لا تُبنى فقط بالعقوبات الرادعة، بل بالقلوب العادلة. ولا تنهض العدالة إلا إذا سارت على قدمين… واحدة اسمها القانون، والثانية اسمها الرحمة.